← Back to Articles

أهمية التعليم في زمن الحرب: رسالة إلى الآباء اللبنانيين4 min read

أيها الآباء اللبنانيون الأعزاء، في أوقات السلم يُعدّ التعليم أساس بناء الأمم وتقدمها، أما في زمن الحرب فيصبح ضرورة حياتية لا غنى عنها. إنه الشعاع الذي يضيء الظلام، والأمل الذي يزرع في نفوس أبنائنا قوة الصمود والقدرة على إعادة بناء الوطن. اليوم، ولبنان يواجه صراعاً يهدد استقراره ويؤثر على كل جوانب الحياة، يبرز دور التعليم أكثر من أي وقت مضى كسلاح دفاعي عن مستقبل أجيالنا. فالحرب لا تقتصر على الخسائر المادية والجسدية، بل تسرق من الأطفال سنواتهم الذهبية، وتهدد بتحويل جيل كامل إلى ضحايا الجهل واليأس. ومع ذلك، فإنكم – أيها الآباء – قادرون على تغيير هذا المصير، بجهودكم اليومية وإصراركم على استمرارية التعليم رغم كل الصعاب.

لقد ألقى الصراع الحالي بظلاله الثقيلة على نظام التعليم في لبنان، مما حوّله إلى ضحية من ضحايا الحرب. مئات المدارس تحولت إلى ملاجئ للنازحين، وأصبحت الفصول الدراسية غرف نوم وأماكن إيواء، بينما أُغلقت مدارس أخرى تماماً بسبب القصف أو الخطر الأمني. أكثر من 500 ألف طالب واجهوا انقطاعاً تعليمياً حاداً، وفي ذروة القتال بلغت نسبة الأطفال الذين لم يحضروا المدرسة 69%، حتى بعد وقف إطلاق النار في بعض المناطق. وفي الجنوب والبقاع ومناطق أخرى، يعاني الطلاب من فجوات تعليمية تصل إلى 60% من الوقت المدرسي المفقود على مدى سنوات، مع تفاقم التفاوت بين المدارس الخاصة التي تعتمد التعلم عن بعد وبين المدارس الحكومية التي تؤوي النازحين. هذه الظروف لا تؤثر على التحصيل العلمي فحسب، بل تترك ندوباً نفسية عميقة: الخوف من الأصوات العالية، القلق المستمر، والشعور بالعزلة. ومع ذلك، فإن التاريخ اللبناني يشهد أن التعليم كان دائماً المنقذ: بعد الحرب الأهلية وبعد حرب 2006، أعادت المدارس والجامعات بناء الجيل الذي أعاد إعمار الوطن. اليوم، يجب أن نكرر هذا الدرس.

لماذا يظل التعليم أولوية قصوى في زمن الحرب؟

التعليم ليس مجرد دروس في الرياضيات أو اللغة؛ إنه حماية للطفل من مخاطر الحرب. فهو يمنع استغلال الأطفال في أعمال الأطفال أو تجنيدهم، ويحافظ على صحتهم النفسية من خلال روتين يومي يعطي إحساساً بالأمان والنظام. كما أنه يحفظ الهوية اللبنانية: اللغة العربية، والتراث الثقافي، والقيم الإنسانية التي تجعل أبناءنا قادرين على التعايش والسلام في المستقبل. في لبنان، حيث يعتمد الاقتصاد على الشباب المتعلم، يعني استمرار التعليم فرصة للخروج من الفقر بعد الحرب. إن الأطفال الذين يستمرون في التعلم اليوم هم المهندسون والأطباء والمعلمون الذين سيبنون لبنان غداً. أما الجهل، فهو الذي يطيل دورة العنف ويدمر المستقبل. التعليم يزرع الأمل: يذكّر الطفل أن الحياة أكبر من الخوف، وأن المعرفة قوة لا يستطيع أي قصف إيقافها.

دوركم كآباء: كيف تدعمون أبناءكم تعليمياً رغم الظروف؟

أنتم، أيها الآباء، هم الجيش الأول في هذه المعركة. لا تنتظروا عودة المدارس الكاملة؛ ابدأوا الآن في المنزل، في الملجأ، أو في أي مكان آمن. إليكم خطوات عملية مجربة وموصى بها من الخبراء والمنظمات الدولية:

  1. أنشئوا روتيناً يومياً ثابتاً: حتى لو كانت الظروف صعبة، حددوا ساعات محددة للدراسة – لا تتجاوز 45 دقيقة للجلسة الواحدة للأطفال الصغار، ثم استراحة مع لعب أو نشاط حركي. اجعلوا اليوم يبدأ بوجبة إفطار بسيطة وصلاة أو حديث عائلي إيجابي. هذا الروتين يقلل القلق ويعيد الشعور بالحياة الطبيعية.
  2. استفيدوا من التعلم عن بعد والموارد المتاحة: حتى لو انقطع الإنترنت أحياناً، استخدموا منصات وزارة التربية والتعليم العالي، أو تطبيقات مجانية مثل Khan Academy بالعربية، أو مواد CERD الرقمية. في الملاجئ، شكلوا مجموعات صغيرة مع عائلات أخرى لتبادل الكتب والدروس. إذا كان لديكم هاتف ذكي، حملوا دروساً مسبقة. التعلم عن بعد ليس مثالياً، لكنه أفضل من التوقف التام.
  3. ركزوا على الدعم النفسي والعاطفي: استمعوا إلى أبنائكم دون حكم. اسألوهم عن مخاوفهم، وشاركوهم قصصاً من تاريخ لبنان عن الصمود. شجعوا الألعاب التعليمية: رسم خرائط لبنان، أو كتابة يوميات “ما تعلمته اليوم”. تجنبوا الضغط على الدرجات؛ ركزوا على الجهد والتقدم. تذكروا: أنتم بحاجة إلى رعاية صحتكم النفسية أيضاً، فالطفل يستمد قوته من هدوئكم.
  4. شجعوا القراءة والأنشطة العائلية: اقرأوا معهم كتباً عربية أو فرنسية أو إنجليزية – قصصاً عن الأبطال اللبنانيين أو العلوم البسيطة. اجعلوا المطبخ مدرسة: تعلموا الحساب أثناء الطبخ، أو الجغرافيا من خلال وصف المناطق اللبنانية. هذه الأنشطة تبني المهارات دون ضغط.
  5. تعاونوا مع المجتمع والمنظمات: تواصلوا مع المعلمين عبر الهاتف أو الواتساب. انضموا إلى برامج اليونيسف أو اليونسكو أو الجمعيات المحلية التي تقدم تعليماً غير رسمي أو دعماً نفسياً. في المناطق النازحة، اطلبوا مساعدة المدارس “المركزية” أو البرامج المتنقلة. إذا كنتم في الجنوب أو البقاع، ابحثوا عن مبادرات الـ NGOs التي تعيد تأهيل المدارس المدمرة جزئياً.
  6. ركزوا على المهارات الحياتية واللغات: في لبنان متعدد الثقافات، شجعوا تعلم اللغات الثلاث (العربية، الفرنسية، الإنجليزية) من خلال أغانٍ أو أفلام تعليمية. علموهم مهارات عملية: الإسعافات الأولية، أو إدارة الأموال البسيطة. هذه تبني الثقة وتعدّهم للمستقبل.
  7. تابعوا التقدم وكافئوا الإنجاز: احتفلوا بأي تقدم صغير – رسمة جميلة أو درس محفوظ. هذا يعزز الدافعية. وإذا تأخر الطفل، لا تلوموه؛ ساعدوه بلطف.

الخاتمة: لبنان ينهض بأبنائه المتعلمين أيها الآباء، أنتم لستم عاجزين. كل ساعة دراسية في المنزل، وكل كلمة تشجيع، وكل روتين تحافظون عليه، هو بذرة لمستقبل أفضل. التعليم في زمن الحرب ليس رفاهية، بل واجب وطني وإنساني. لبنان، الذي عرف كيف يقاوم الشدائد عبر التاريخ، سيعود أقوى بفضل أجيالكم المتعلمة. لا تيأسوا؛ فالطفل الذي يتعلم اليوم سيبني غداً وطناً يستحقه. ابدأوا الآن، في هذه اللحظة، وستكونون قد ساهتم في انتصار لبنان الحقيقي: انتصار العقل على الظلام، والأمل على اليأس.

الله يحفظكم ويحفظ أبناءكم، ويحفظ لبنان.

Mirella Tannous

Entrepreneur and Education Enthusiast